*الدكتور نسيب حطيط*
يعاني المشروع المقاوم تاريخيًا من قصور ناتج عن إشكاليات بنيوية وسلوكية في مواجهة المخططات الاستراتيجية للمشروع الصهيوني، مما أدى إلى تعرضه للهزائم والخسائر وتقديم التنازلات ورغم تحقيقه انتصارات ومكاسب موضعية واستراتيجية في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي،
إلا أن هذه المكاسب سرعان ما تلاشت، كما يتضح من حرب تشرين 1973، أو من إطلاق المقاومة الفلسطينية المسلحة التي انتهت بإقامة سلام مع إسرائيل وتشكيل سلطة فلسطينية تنسّق مع الاحتلال، أو انتصار المقاومة في لبنان والذي انتهى الى ما تواجهه حركات المقاومة بعد حرب طوفان الأقصى وحرب الإسناد.
تتعدد مشاكل المشروع المقاوم على مستوى أطرافه ومستوياته المتنوعة وفقًا لما يلي:
الاعتماد على "القائد" أو "الزعيم_ الفرد" بدلاً من تبني الدراسة والتخطيط أو العمل المؤسسي الجماعي، مما يجعل منظومة مواجهة بأكملها – سواء كانت حركة مقاومة أو دولة – مرهونة بمصير هذا الشخص، فإذا غاب بالوفاة أو الإغتيال،
تتعرض المنظومة وبنيتها للتشتت وربما للانهيار التام.
تبني نهج رد الفعل في المياومة السياسية والعسكرية والاقتصادية، مما يجعل مواقفها مرحلية وغير استراتيجية، ويسلبها صفة الاستدامة والاستمرارية،
ويحرمها من تأمين مستلزمات البقاء وتجاوز الحصار.
سوء تقدير قوة العدو والإعتماد على الافتراضات الذاتية، فتبنى الاستراتيجيات والحروب على أساس هذه الافتراضات بدلاً من الاعتماد على فهم دقيق لخطط العدو الباطنية،
مما قد يوقعها في كمائن التضليل والخداع التي يتقنها العدو.
تشتت القوى وغياب وحدة الصف والساحات نتيجة التشتت العقائدي والمذهبي والقومي، وعدم وحدة الأهداف، حتى أن الهدف الرئيس "تحرير فلسطين" محل خلاف،
فبينما تقبل الأطراف الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل وحل الدولتين، ترفض بعض حركات المقاومة الأخرى الاعتراف بإسرائيل أو بحل الدولتين، بالتوازي مع وجود تباينات في المواقف من الأنظمة العربية بسبب الاختلافات المذهبية والمصالح والولاءات.
المزج بين المقاومة والسلطة أو الشراكة السياسية دون التخلي عن أي منهما، وهو جمع مستحيل يحفظهما، إذ لا يمكن الجمع بين "المقاومة والمقاولة"، أو بين ربطة العنق وارتداء البذلة العسكرية، أو بين ضرورات الميدان.
إن الصراع بين شروط المقاومة وروحانيتها وبين فساد السلطة وإغراءاتها، يُلزم حركات المقاومة إما بالتغطية على فساد السلطة أو الشراكة فيه، وذلك على حساب مشروع المقاومة بحجة حمايته وهذا السلوك يُفسد العمل المقاوم، ويُفقده القدرة على إصلاح السلطة، مما يؤدي إلى خسارة الأمرين"السلطة والمقاومة" والأسوأ من ذلك،
هو خسارة المشروع المقاوم نفسه والتعرّض لزعزعة عقائدية وفكرية، وتحطيم صورة المقاوم نتيجة لتناقض القول والفعل. استنساخ تجربة الأنظمة المستبدة من خلال احتكار السلطة أو التمثيل، وحصار كل من يختلف معها أو يعارضها، وحرمانهم من أي حق في التوظيف أو التمثيل،
حتى لو كانوا مقاومين قبل تأسيس بعض الحركات و هذا السلوك يفضح أي حركة مقاومة ويسقط شعاراتها المثالية، حتى يدفع الناس إلى "الترحّم" على من سبقهم،
سواء كانوا إقطاعيين سياسيين أو دينيين، أو سلطة ظالمة، أو المساواة بينهم وهذه خسارة فادحة للمشروع الفكري العقائدي والمشروع المقاوم.
تجاوز حدود الأهداف التي انطلقت من أجلها المقاومة، أو العمل بقدرات تفوق واجباتها ومسؤولياتهاوهذا التجاوز يُحوّل قوتها الموضعية الأساسية وتفوقها الميداني إلى قوة ضعيفة ومشتتة يسهل إسقاطها وقد وقعت في هذا الخطأ معظم حركات المقاومة التي حاولت تغيير مسار مشروعها من الوطني إلى الإقليمي، ومن تحرير أراضيها المحتلة إلى القتال نيابة عن الأمة،
خلافًا لقدراتها ومسؤوليتها الشرعية والقانونية.
إن غياب المراجعة النقدية الداخلية وعدم تقبّل النُصح أو النقد الأخوي والإيجابي، الحريص على حفظ المشروع المقاوم، يُعرّض المقاومة لعواصف تهزها وتكاد تقتلعها، خاصة وأنها هدف رئيسي تتقاطع فيه مصالح أطراف متعددة داخلية وخارجية، بينما تظل المقاومة وحيدة يتيمة مستفردة في الميدان.
لا يزال الوقت متاحًا، لإعادة تنظيم الأولويات لحفظ المقاومة وإفشال مشروع اقتلاعها، ولإعادة الفصل بين السلطة والمقاومة، خاصة وأن الشراكة في السلطة لم تحمِ المقاومة، بل سلبتها قوة المعارضة،
فلم تكن شريكًا قادرا على منع او تعديل قرار ، ولم تتحرك في الشارع كمعارضة فعّالة.!
إن المرحلة القادمة من الحرب تقتضي تغييرًا في استراتيجية المقاومة من حيث الوسائل، والإعداد، والكفاءات، وتحديد الأولويات والأهداف بما يحفظ المقاومة وأهلها، دون التنازل عن الثوابت والمبادئ، وعدم الاستسلام، وفي أسوأ الأحوال،
الإمتناع عن تشريع أي اتفاقية سلام أو تطبيع أو تقديم تنازلات... عبر المشاركة في السلطة.


